الشيخ محمد هادي معرفة
255
التفسير الأثرى الجامع
جميل : كلّما ازدادوا علما ، ازدادوا يقينا بكبريائه تعالى . وذلك أنّهم لمسوا عظمة هذا الكون ووقفوا على عظمة بارئه ، وعندما رأوا ضئالة ما لديهم من معلومات ، ازدادوا صغارا في أنفسهم وخشوعا لدى الصانع الحكيم ، وهذا ما نطق به القرآن الكريم : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 1 » . قال الحكيم الفيلسوف راشد الخراساني « 2 » : « لقد كان منتهى ما يبلغه العلماء في محاولاتهم وجهودهم المتواصلة ، هو اعترافهم بأنّهم لا يعلمون شيئا من هذا الوجود . نعم لا يعلمون شيئا تجاه ما لمسوه من عظمة هذا الكون الفسيح . إنّهم علموا أشياء ووقفوا على أسرار ، ولكنّهم كلّما جدّوا في الأمر وجدوا المجال أوسع وأفسح ، وهناك أسرار كبرى خابئة في هذا الوجود أعمق وأدقّ . فإذا ما قاسوا معلوماتهم هم بالذات ، إلى ما جهلوه من كوامن وأسرار عظام ، تصاغروا واستصغروا ما لديهم من معلومات حتّى ولم يعدّوه شيئا بالقياس إلى عظمة هذا الكون ، الأمر الّذي لا يزال بالعلماء يزدادون خشوعا وخضوعا لدى الصانع المتعالي الحكيم : ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ . . . « 3 » » . * * * قوله : إِلَّا بِما شاءَ أن ييسّر للإنسان العلم به من القوى والطاقات ، والقوانين الكونيّة الّتي تلزم له في خلافته في الأرض وعمارتها لإمكان الحياة عليها هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها « 4 » . وبقدر ما أذن اللّه للإنسان في علم هذا الجانب - الخطير بالنسبة إليه ، والضئيل بالنسبة ما زوي عنه علمه من أسرار الملك والملكوت - منحه القدرة والإمكانيّات اللّازمة للقيام بهذه المهمّة الخطيرة ، الّتي كلّفه اللّه تعالى في صميم شاكلته ، وهو خليفة اللّه في الأرض . هذا ومع ذلك نرى الإنسان في سابق حياته قد يفتتن بهذا الطرف من العلم ، الّذي أحاط به بعد الإذن ، يفتتن فيحسب نفسه في الأرض جبّارا ، ويكفر وينكر أنّ لهذا الكون بارئا ومدبّرا من فوق الأرض ! وإن يكن في هذا الدور الأخير ( القرنين 20 و 21 ) بدأ الوعي الفطريّ - الإنساني يتيقّظ شيئا فشيئا ، وبدأ يردّ العلماء حقّا إلى التواضع والتطامن ، فقد بدءوا يعلمون أنّهم لم يؤتوا من العلم إلّا قليلا ! وبقي الجهّال المتعاملون الّذين يحسبون أنّهم قد علموا شيئا كثيرا ! « 5 » .
--> ( 1 ) فاطر 35 : 28 . ( 2 ) راجع : مقدّمة كتابه « دو فيلسوف شرق وغرب » . ( 3 ) آل عمران 3 : 191 . ( 4 ) هود 11 : 61 . ( 5 ) راجع : في ظلال القرآن 1 : 423 .